- لايوجد نظام سياسي في العالم لايهتم برأي الشعب مثلما هي الحال في مصر !"أضربوا دماغكم في الحيط".. تلك هي فلسفة آهل الحكم !لا نعرف أن كان الرئيس يوافق عليها - فهو لم يرفضها ولم يوقفها ولم ينهر أحدًا ممن يرتكبونها - أم أنها دوائر في النظام تصنع دولة داخل الدولة ، وتقاوم التغيير والإصلاح !
- منذ إقالة- او استقالة - الوزير أحمد الزند على إثر غضبة شعبية عارمة من تصريحاته المنافية للإنسانية بشأن موقفه العنصري من تعيين أبناء العاديين قضاة ، لم يحدث أن استجابت الدولة لأي ضغط شعبي من أي نوع . تركتهم "يتسلوا "! والمشكلة ليست في هذا فقط ، فقد خلق الله أناسًا عيونهم تقع على الخطأ وتلتقطه .. مثل الصحفي الذي يراجع صفحات جريدته بعد تصحيحها ، إذا كان واد" لَقِّيط"سيلتقط الكلمة الخطأ والصورة غير الصحيحة ويصوب الفاعل المنصوب ورقم الصفحة الغلط ويحذف الفقرات - والصفحات - المكررة أو التبويب الخاطيء إلى آخره. هذا هو الصحفي الذي تقع عينه مباشرة على الخطآ فيصلحه من دون انتظار أن يعرف المسؤول، لأن هذه طبيعته اللاقطة ومهمته آيضا!
- هذا الذي تقع عيناه على الخطأ ليس مجرمًا أشرًا وجبت ادانته من قبل المغايرين له في الطبيعة ، والذين يمرون على الأخطاء مرور الكرام ! ملتقط الأخطاء بحكم فطرته باليقين هو أحد أكثر الناس اتساقًا مع نفسه وأخلص ضمير يمكن أن تسند إليه دورًا أو مهمة . قديما قالوا رحم الله أمراً أهدى إلى عيوبي ! والحقيقة أن مستخدمي هذه المقولة في الغالب يفرغونها من معناها ، ويرددونها أثناء النقاش كنوع من إضفاء لون ما من المصداقية عليهم وعلى منطقهم ، لكنهم في الحقيقة يجتاحهم غضب عنيف يمزقهم من داخلهم ، فهم لا يحبون لأحد أن يهدي اليهم عيوبهم أبدًا ، وإن حدث فلابد آن يكون ذلك في "حارة مزنوقة" وليس في شارعٍ عام ، إنهم يفضّلونها نقدًا سريًا ، لأنه في هذه الحالة "كأنك يا أبوزيد ماغزيت" !
- المؤيدون والذين لا يفكرون في التقاط العيوب ليسوا منزوعي الوطنية و التفكر أو الحكمة ، لكنهم يولون التأييد الأهمية الأكبر ، ولذلك لديهم شماعات جاهزة يعلقون عليها تأييدهم الذي هو مطلق وإن أرادوا التجمل طبعا بنقد أمرٍ هنا أو هناك فإنه من باب" شفتم .. أهوه .. احنا اللي بتقولوا علينا مطبلاتيه بننقد اهوه ! بس إيه٠٠ النقد عندنا ليس هدفه هدم الدولة مثلما تريدون أن تحولوا مصر إلى سوريا وسودان وليبا والعراق إلى آخره". !
من هو المعارض أو الناقد الذي يحب مصر ويمكنه أن يسعى لهدم بلاده الأحب والأعز ؟! نتذكر هذا المعتوه الذي كان له فيديو سابق يتحدث فيه عن أهداف الاشتراكيين الثوريين الرامية الى خلخلة الجهاز العسكري من الداخل وهدم القوات المسلحة ، متصورًا أن هدم الجيش سيحقق له ولتياره المعزول شعبيًا القيادة والسلطة ، وأن الناس ستجري عليهم "بالكوم" !الذي انتقد المؤسسة العسكرية بهذا الخبل أثناء ثورة يناير كان واحدًا من هذا التيار الذي لم يزد عدده عن بضعة أنفار . كان هذا الإعلان المرفوض شعبيًا سببًا في انحسار هؤلاء العشرة أنفار الذين يعبرون عن هذا التيار فانتقلوا أحياء إلى العالم الآخر . التيار الثاني هو الذي حقق قوة هائلة منذ زمن بعيد ، تعود إلى ذلك التمويل الهائل الذي نَعِمً به وتنعم فيه منذ بدايات تأسيسه ( خمسمائة جنيه استرليني تلقاها حسن البنا من مدير شركة قناة السويس وقتذاك عام ١٩٢٨ ) وبعدها انتظمت عملية التبرع والتطوع والتمويل الخارجي والداخلي حتى صارت "جماعة الاخوان المسلمون " قوة مًالية ودينية - كذبًا وزورًا وبهتانًا - وتمكنوا من إنشاء امبراطورية مالية باستخدام أموال التمويل والاشتراكات المنتظمة والبزنس الذي أجادوه وعملوا فيه وأصبحوا من حيتان الأسواق وتجارة الأراضي والتداول المالي والصناعات المربحة (ملابس وألبان إلى الخ ) ومعارض بيع سلع معمرة وغيرها . هولاء أصبحوا خطرًا داهما لأنهم استغلوا الدين والشعوب المتدينة بطبعها والمؤمنة بالسمع والطاعة لأي مدعي تدين (حتى صبيان السمكري والكهربائي والميكانيكي - مع احترامنا لهم كأشخاص وكمهن - الذين يتواجدون أحيانا في الزوايا والنجوع والكفور وقت الآذان ، وما إن يمسكوا بالميكروفون لرفع الآذان بصوت ما أنزل الله به من سلطان يعاملون منذ هذه اللحظة معاملة مفتي الديار) !
هذه الجريمة متكررة في كل أنحاء القطر ، مثلما هي جريمة الكهنة في الكنيسة الذين ينحرفون بمهام الكرسي الرسولي إلى التحرشات اللا أخلاقية التي اجتاحت أسماع العالم ، ومع هذا وجدوا من يعينهم على تنظيف سجلاتهم الرديئة ، ويحول بينهم وبين الشلح والسجن والعقاب!
مثل هذا النقد الضروري أراه واجبًا ، ليس لأني أريد هدم الدولة ، مطلقًا ، ولكنها فكرة أن تكون من الذين يسعون لإصلاح الخلل في الدولة من دون أن تدعوا إلى تقويضها . تختلف مع أهل الحكم ولكن لاتدعوا لازاحتهم بغير الطريق القانونية والدستورية إذا اخطأوا . أنا متطرف جدًا في مسألة تطبيق الثواب والعقاب . يفتنني المخلصون في عملهم . ويدمرني ويزلزل كياني المخطئون الذين أراهم يفسدون الوطن ، وأرى أن من هؤلاء المؤيدون بالمطلق لسياسات الدولة ، والذين إذا انتقدوا شيئا ما تجدهم وقد تفننوا في اختراع كلمات خفيفة هادئة محسوبة بميزان الدهب ، فهم سيمارسون دورًا مؤقتًا لايجوز ان يقطع بينهم وبين تأييدهم المطلق ، ويتعللون بذرائع غريبة جدًا !
كنت اول دفعتي عام ١٩٨٤ بتقدير جيد جدًا في قسم التاريخ بآداب عين شمس ، ولم يتم تعييني معيدًا ، بسبب التقارير الأمنية وانتمائي لحزب التجمع (وقتها كان ذلك خطيئة كبرى)! كم من أبناء البسطاء والغلابة ومحدودي الدخل تفوقوا ورفض تعيينهم في وظائف مرموقة كالمعيد والمعاون في النيابة ونحو ذلك . الوزير احمد الزند كانت فلسفته التي تسببت في اقالته وموته وهو على قيد الحياة هو موقفه العنصري تجاه التعيين في القضاء .. ليلحق بسلفه المستشار محفوظ صابر الذي خرج من الوزارة على إثر تصريحاته بشأن أبناء عمال النظافة بقوله «لا يمكن أن يصبحوا قضاة»! كان هذا مكنون في نفسيهما وقد حافظا عليه سنوات ، لكن زلة لسان كشفته وتسببت في "موتهما بالحيا " رغم كل القوة والتأييد الذي تمتع به الزند على الأقل من الوسط الذي ينتمي إليه !
لماذا يستمر مثل هذا النهج العنصري؟ ماجريمة الفتاة التي تفوقت ولكنها تمنع من التعيين معيدة! سها إبراهيم أحمد إبراهيم، الحاصلة على الترتيب الأول بقسم اللغة الفارسية بالكلية، نشرت استغاثة على صفحتها الشخصية بعدم تعيينها معيدة بالكلية، رغم تفوقها، مؤكدة أن أحد أساتذة الكلية قال لها «بنت مؤذن لا تصلح أن تكون معيدة»!! عميد الكلية طيب خاطرها ووعدها بالبحث في الموضوع ، لكننا أمام طريقة تفكير لم تتغير! أليس من الإجرام أن تكون ثورة يناير قامت -من بين أسباب قيامها - رفضا لتوريث نجل رئيس الجمهورية، ولا تزال نفس الأفكار تسود؟
الآن - وهذا ما لم يتوقف أمامه المؤيدون بالمطلق للسلطة - نرى مقاعد البرلمان وقد تم شراؤها و توريثها ! جعلت الأحزاب هذه الفضيحة البرلمانية تجوب كل أنحاء العالم ! ينظر الناس إلى مثل هذا العمل بسخرية ومرارة وربما ماهو أسوا من ذلك ! فتيات وزوجات وأمهات يرثن المقعد البرلماني لآبائهن! لماذا وبأي معيار تم اتخاذ هذا القرار؟ ليس إسماً واحدًا ولا اثنين ولا ثلاثة .. أكثر من ذلك .. لماذا هذا التوريث للمقاعد البرلمانية .. هل هي حصانة أم وجاهة اجتماعية أم ثقة؟ كيف يخدم هؤلاء الدولة والشعب وهم ورثوا مقعدًا برلمانيا وجيها محصنًا؟ هل هؤلاء سيمارسون دورًا برلمانيا أم سيتحركون وفقًا للسياسات الحزبية التي ستملي عليهم انحيازاتها وقرارتها ، ليكونوا أرقامًا عند التصويت عليها فيتم تمريرها بكل بساطة! مالذي سيجعل هذا البرلمان يكافح الغلاء والعنصرية والعشوائية والتخلف وحتى التطرف والارهاب؟ ما الذي عند تجار المقاعد وموَّرثيها ليقدموه للبلد؟! إذا كان الناس- غير المؤيدين بالمطلق طبعًا - لديهم ملاحظات على مصداقية هذه الغرف البرلمانية (النواب والشورى) فكيف سيصدقونها؟ راجع ملاحظات رئيس الجمهورية نفسه على طريقة وأساليب الانتخابات المسماة بأنها كذلك !
تنشيء الدول برلمانات لتعبر عن رأي الشعب .. لتكون الصوت الثاني مقابل صوت الدولة . وفي الدول الديمقراطية- ورغم كل الغمز واللمز الذي يوجّه اليوم للديمقراطية الاورو- أميركية إلا أنني ضد التخلي عن الأفكار الديمقراطية والليبرالية السياسية كأسلوب حكم، كونها سر التقدم والانتقال من الاستبداد إلى الحرية .. الديمقراطية ليست ترامب وكوشنر وماركو روبيو ولا شتنايماير ولا ماكرون ولا غيرهم ، الديمقراطية مباديء وأساليب في حكم الشعوب، حتى "سقيفة بني ساعدة" قبل مئات السنين عرفت هذا المبدأ (حيث تشاور الجمع وقتذاك في اختيار الحكم ) الفكرة في الديمقراطية هي الشراكة .
من الغريب أن المؤيدين بالمطلق لم نسمع لهم صوتا رافضًا للممارسات المغلوطة بحق أبناء الشعب ! سرقة المقاعد البرلمانية وتعيين آبناء التجار وملاك الشركات والمجموعات الاقتصادية والمضاربون في الأسواق وتجار الأراضي والعنصرية والتفرقة بين أبناء المؤذنين والزبالين إلى آخره. لم يتوقف عنده مؤيد .. لم يتعاطف أحد منهم مع تلك المتفوقة التي تم رفض تعيينها معيدة! ما أشبه الليلة بالبارحة .. مزيدًا من القهر والتقهقر والتخلف والممارسات العقيمة .. والاسوأ إجمالًا هو ان هذه هي انحيازات النظام .. انحياز لأولاد الأكابر فقط!
طيب ماترجعوا محفوظ والزند للوزارة وخلاص !
----------------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






